محمد بن محمد ابو شهبة

559

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ اللّه فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللّه حجاب » « 1 » . وما أجلّه من منهج يجب أن يسلكه المربون والمعلمون ، والهداة والمصلحون . وكذلك أراد النبي أن يعرف علمه بالقضاء حين بعثه فقال له : « كيف تصنع إن عرض لك قضاء » ؟ قال : أقضي بما في كتاب اللّه ، قال : « فإن لم يكن في كتاب اللّه » ؟ قال : بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « فإن لم يكن في سنة رسول اللّه » ؟ قال : أجتهد - وإني لا الو - أي لا أقصر ، قال : فضرب رسول اللّه صدره ثم قال : « الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه » « 2 » . وهذا يدلّ على فقه معاذ ، وعلمه بأصول القضاء . فلما فرغ رسول اللّه من وصاياه قال له : « يا معاذ ، إنك عسى ألاتلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري » فبكى معاذ خشعا لفراق الرسول . وكذلك وقع الأمر كما أشار الرسول ، فقد أقام معاذ باليمن ، ولم يقدم إلا بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . بعث أبي موسى الأشعري وكذلك بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا موسى الأشعري اليمني إلى مخلاف اليمن الاخر وهو الأسفل ، قاضيا ومفقها وأميرا ومصدّقا ، وأوصاه ومعاذا فقال : « يسّرا ولا تعسرا ، وبشّرا ولا تنفّرا ، وتطاوعا ولا تختلفا » « 3 » . وقد عملا بوصية النبي ، وانطلق كل واحد منهما إلى عمله ، وصارا يتزاوران ويتحابان في اللّه ، وقد سأل أبو موسى رسول اللّه فقال : يا نبي اللّه ،

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم وغيرهما . ( 2 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة . ( 3 ) رواه البخاري .